الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
206
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" جعل " بشأن النور والظلمة ، فإن للمفسرين في ذلك كلاما كثيرا ، ولكن أقربه إلى الذهن هو القول بأن " الخلق " يكون في أصل وجود الشئ ، و " الجعل " يكون بشأن الخصائص والآثار والكيفيات التي هي نتيجة لخلق تلك المخلوقات ، ولما كان النور والظلمة حالتين تابعتين فقد عبر عنهما بلفظة " جعل " . وروي عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في تفسير هذه الآية قوله : " وكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم ، لما قال : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض فكان ردا على الدهرية الذين قالوا : إن الأشياء لا بدء لها وهي دائمة ، ثم قال : وجعل الظلمات والنور فكان ردا على الثنوية الذين قالوا : إن النور والظلمة هما المدبران . ثم قال : ثم الذين كفروا بربهم يعدلهم فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا : إن أوثاننا آلهة " ( 1 ) . 3 هل الظلمة من المخلوقات ؟ تفيد الآية إنه مثلما أن " النور " من مخلوقات الله ، فإن " الظلمة " كذلك من مخلوقاته ، مع أن الفلاسفة والمختصين بالعلوم الطبيعية يعرفون أن الظلمة هي انعدام النور ، ولهذا فلا يمكن اطلاق صفة " المخلوق " على المعدوم إذن ، كيف تعتبر الآية المذكورة الظلمة من المخلوقات ؟ في رد هذا الاعتراض نقول . أولا : الظلمة ليس تعني دائما الظلام المطلق ، بل كثيرا ما تطلق على النور الضعيف جدا بالمقارنة مع النور القوي ، فنحن جميعا نقول ، مثلا ، ليل مظلم ، مع العلم بأن ظلام الليل ليس ظلاما مطلقا ، بل هو مزيج من نور النجوم الضعيف أو مصادرا أخرى للنور ، وعلى هذا يكون مفهوم الآية هو أن الله جعل لكم نور النهار وظلام الليل ، فالأول نور قوي والآخر نور ضعيف جدا وواضح أن الظلمة ، بهذا المعنى ، تكون من المخلوقات . وثانيا : صحيح أن الظلمة المطلقة أمر عدمي ، ولكن الأمر العدمي - في ظروف
--> 1 - تفسير " نور الثقلين " ، ج 1 ، ص 701 .